شخصية الرشيد الأدبية :
لقد كان شاعراً ذا ثقافة واسعة , وقد حصل على ذلك محبة للعلم , ورغبة في المعرفة , وميلاً للتفوق , فهو من علماء اللغة والأدب , وقد نمت ثقافته واشتد عودها من خلال المحاورات والمناظرات التي دارت في بلاطه .
وقد نسب إليه بعض المقطوعات الشعرية التي نمت عن تجربة الحب والغرام خصوصاً مع جواريه , ويظهر في ذلك غزل الملوك الذي أبدع فيه , كما أظهر الشعر الرقيق , وأبيات العتاب . و مجالسه تعج بالأدباء والشعراء , فكان على دراية قوية بالشعر والمعاني , ونراه يناظر الشعراء , كما يميل إلى تعاطي الشعر الرقيق في مجلسه , و يستدعي الشعراء فيمدحونه , ويجزل لهم العطايا و الهبات .
و من أهم الصفات الشعرية عنده الذوق الأدبي والحس الفني , فنجده يشارك الشعراء شعرهم , ويجادل اللغويين , ويحكم بين الفقهاء , وقد قال الشعر لقوة الحوافز الشعرية لديه .
ونرى علاقته بالمرأة المحبوبة لديه كسائر الشعراء بمحبوباتهم , ولابد من تحديد المرأة التي يقول الشعر الغزلي فيها , فلم يتغزل في نسائه الحرائر , وإنما يتغزل في الجواري , فقد لعبن دوراً بارزاً في بلاطه ، سواءً بصورة مباشرة أو غير مباشرة , ويختار أجمل الجواري ولا سيما المثقفات منهن , ولا يبخل بثمن واحدة منهن , و ينهج نهج الشعراء , ويحاول إظهار الحب واللوعة والألم لفراق المحبوبة , فحين اتجه من بغداد إلى الرقة , اشتاق إلى جاريته ماردة , فكانت فرصته للتجربة الشعرية , والإحساس بغياب المحبوبة فنظم بذلك شعراً حتى أدخل نفسه مع الشعراء العذريين . ونجده يصور نفسه في شعره بالمغرم المعذب الذي أنحله البعد وكوى قلبه الجوى . فلقد كان على علم بالشعر والأوزان العروضية وأُسند عن معاوية بن صالح عن أبيه قال : أول شعر قاله الرشيد حينما حج في أول سنة تقلد فيها الخلافة حيث دخل داراً فإذا فيه بيت شعر قد كتب على الحائط :
ألا يا أمير المؤمنين أمــا تــــرى فديـتك هجران الحبيب كبيرا
فدعا بداوة وكتب تحته بخطه :
بلى والهدايا المشعرات وما مشى بمكة مرفوع الأظل حسيرا
فهو عالم بالشعر فعن سعيد بن سلم قال : كان فهم الرشيد فهم علماء , وأنشده العماني في وصف فرس :
كأن أذنيه إذا تشـــــــــوفا قادمــةً أو قلـــماً محــرفا
فقال الرشيد : دع كأن وقل : تخال أذنيه , حتى يستوي لك الشعر . وما قال ذلك إلاّ لأنه على علم كبير بالشعر وبالأوزان العروضية ؛ لأن فهمه فهم علماء . فعن عبد الله ابن العباس بن الفضل بن الربيع قال : حلف الرشيد ألا يدخل إلى جارية له أياماً , وكان يحبها , فمضت الأيام والليالي ولم تسترضه فقال:
صد عني إذا رآني مفتــــــتن وأطال الصبر لما أن فطن
كان مملوكي فأضحى مالكي إن هذا من أعاجيب الزمن
ثم قال لجعفر بن يحي : اطلب لي من يزيد في هذين البيتين , فقال : ليس لهما إلا أبو العتاهية فبعثوا إليه فكتب إليه :
عـــــزة الحب أرتـه ذلتي في هواه وله وجه حسن
فلهذا صـرت مملـــوكاً له ولهــــذا شاع ما بي وعلن
فقال الرشيد : أحسنت وأصبت ما في نفسي وضاعف صلته .
ومن شعره الرقيق يرثي جاريته هيلانة:
أُفِّ للدنــيــــــا وللــزيـــ نة فيــــــها والإنــــــــاث
إذ حـــــثا الترب على هيـ لان في الحفـــــرة حــــاث
فلهــــا تبكـــــــى البـــــوا كي ولهـــا تشـجي المراثي
خلّفــــت سقماً طــــــويلاً جعلـــت ذاك تـــــراثي
في هذه الأبيات يتأفف من الدنيا وزينتها ونسائها , فكل ذلك ليس له قيمة بعد فقدان هيلانة فهي تستحق أن يبكيها كل باكٍ .
فرحيلها خلف سقماً طويلاً له , مما جعله يرثيها دائماً .
ويقول في رثائها أيضاً:
قاسيــــت أوجــاعاً وأحزاناً لما استخص الموت هيلانا
فارقت عيشي حين فارقتها فما أبالي كيـــــف مــا كانا
كانت هي الدنيـــا فلما ثـوت في قبرها فارقــــت دنيـانا
قــد كـــثر الناس ولكـــــنني لست أرى بعـــدك إنســانا
والله لا أنساك ما حــركـت ريــح بأعلى نجـد أغصانا
واضح في هذه الأبيات معاناته وحزنه العميق على وفاة جاريته هيلانة , ويتضح من خلال الأبيات مكانتها الرفيعة عنده , ونلاحظ رقة الألفاظ , وجزالة الأسلوب , حتى أنه يبدو شاعراً عاشقاً , لا نحس بقوة السلطان وجبروت الملك .
وعن العباس بن الأحنف أن الرشيد قال في حظيّة له:
أما يكفـــــيك أنك تملكــيــني وأن النـــــــاس كلـــهم عبــــيدي
وأنك لو قطعت يدي ورجلي لقلت من الهوى : أحسنت زيدي
يداعب جاريته قائلاً لها : أما يكفيك أنك تملكينني , وأن الناس كلهم عبيدي , فأنت ملكتِ الملك الذي ملك الناس كلهم , كما يبالغ في إظهار حبه الدائم إليها , بأنها لو قطعت يده ورجله لقال لها من شدة حبه وولعه أحسنت زيدي .
وفي مجلس الأدب يتذاكر مع جلسائه أبياتاً غنّت بها جارية في البلاط , إذ أقبلت وصيفة ومعها تفاحة مكتوب عليها :
سرورك ألهاك عن موعدي فصيرت تفاحتي تذكـره
فأخذ تفاحة أخرى وكتب عليها :
تقاضيت وعدي ولم أنسه فتـــفاحتي هذه معـذره
واضح من خلال هذا البيت براعته الشعرية في المعارضة , وسرعة البديهة , واتقاد الذهن , فعارض بيت وصيفة ببيت من الشعر بكل قوة وبراعة ودون إخلال بالمعنى , بل معناه أقوى وأدل .
ومن أروع قصائده في ثلاث جوارٍ ملكن فؤاده إذ يقول :
ملك الثلاث الآنسات عنــاني وحللــنَ من قلبي بكل مكاني
مالي تُطاوعني البريَّةُ كُلُـــها وأَطيعُهنَّ وهُنَّ في عصياني
ما ذاك إلاّ أنَّ سلطان الهوى وبه عززن أعزُّ من سُلطاني
نجد في هذه الأبيات ثلاث جوارٍ ملكن قلبه , بل أمسكن بعنانه , فكل الناس تحت طاعته ماعدا هن , فإني تحت طاعتهن , وهن يعصينني , ومرجع ذلك وسببه أن لهن سلطاناً أقوى من سلطانه وهو سلطان الهوى الذي يغلب ويهزم سلطان الحُكم والعقل .
ويبدو في الأبيات السابقة عاشقاً محباً مخلصاً لحبيبته , فالعاشق المخلص في حبه لا يرى غير محبوبته , بخلاف من يتعلق بأكثر من واحدة فلا يعد إلاً لهواً , وتظهر براعته الأدبية حيث استطاع استخدام الصور البديعية دون تكلف , بل ببراعة فائقة , وفي هذه الأبيات يظهر شاعراً عذرياً ينهج نهج الشعراء العذريين في هذه الأبيات.
ومن المواقف الشعرية الغزلية عنده حينما طلب العباس بن الأحنف في أثناء الليل فانزعج لذلك وخاف نساؤه , فلما وقف بين يديه , قال له : ويحك إنه قد عنّ لي بيت في جارية لي فأحببت أن تشفعه بمثله , فقال : يا أمير المؤمنين ما خفت أعظم من هذه الليلة فقال : ولم , قال : دخول الحرس عليّ أفزعني , ثم تركه يجلس حتى سكن روعه فقال : ما قلت يا أمير المؤمنين قال:
جنـــــان قــــد رأيناها ولـــم نر مثلها بشـــراً
فقال العباس :
يزيدك وجهها حســناً إذا ما زدته نظـــــراً
فقال له الرشيد : زدني , فقال :
إذا ما الليل مال عليـه بالإظــلام و اعــتكرا
ودج فلا ترى قمـــراً فأبرزهــا ترى قمرا
فقال له : قد ذعرناك و أفزعناك وأفزعنا عيالك , وأمر له بعشرة آلاف درهم .
ومن شعر الغزل أيضاً قوله :
يا ربـــة المنـــزل بالفرك وربــة الســـلطان والمـــلك
ترفـــــقي بالله في قتــــلنا لســنا من الديلم والــــتـرك
وقد كان يهوى جارية اسمها سحر ويقول فيها :
إن سَحْراً وضياءً وخُنُثْ هن سحر وضياء وخُنُثْ
أخذت سحرٌ ولا ذنب لها ثُلثُي قلبي وترباها الثلــثْ
ونجده يهوى جاريته سَحْر ومعها ضياءً وخُنُثْ ولكن سَحْراً أخذت ثلثي المحبة من قلبه أما أترابها فقد أخذت الثلث , وهذا يدل على مكانة هذه الجارية من قلبه .
لقد رأيناه يجهد لإخراج علاقته بجواريه علاقة المالك بالمملوك إلى شكل من أشكال العلاقات بين الرجل والمرأة , وقد تكرر معنى الخضوع والتذلل في شعر الرشيد لمحبوباته , وامتلاك معشوقة له . ويمكن أن نجد القيمة الفنية في شعر العشق للجواري عند الرشيد ، وأن التعبير معظمة مستعار مصطنع . لأن الغزل أصبح من ملامح العصر الرئيسية , وقد ظهر كثير من شعراء الغزل في هذه الحقبة . وإذا كان الرشيد قد أحب جواريه فإن الشعراء العذريين قد أحبوا جواري في بيوت القيان أو في دور النخاسين ولا ينال النظر منها إلاّ بصعوبة بالغة , أما الرشيد فإن جواريه أمامه يتمكن من أي واحدةٍ منهن بسهولة , وقد اتخذ الرشيد مواقف من المرأة يعتمد على رقيّ العلاقة وسموها , فيمكنه أن ينهج نهج الشعراء العذريين في الشكل أما المضمون فإنه يختلف اختلافاً بحسب المواقف والأحداث .
ونجد من الشعر الرقيق عنده حينما وصل طوس وقد اعتل بها علة موته, حيث يقول :
إني بطــــــوس مقيـــــم مالي بطـــوس حمــــيم
أرجـــو إلهـــي لــما بي فإنه بـــي رحـــــــــــيم
لقــــد أتى بيَ طوســـــاً قضــــــاؤه المحــــــتوم
وليــــس إلاّ رضـــائي والصـــــــبر والتســــليم
يقول الأصمعي بينما أنا أسامر الرشيد ذات ليلة إذ رأيـــت في وجهـــه قلقــاً شديداً, فكان يقعد مرة , ويضطجع مرة أخرى , ويتكــئ أخرى , ويبكــي مرة أخرى ثم أنشأ يقول :
قـــلد أمـــور عباد الله ذا ثقــــةٍ موحد الرأي لا نكس ولا برم
واترك مقاله أقوامٍ ذوي خطلٍ لا يفهمون إذا ما معشرٌ فهموا
في هذه الأبيات نجده ولي الأمر الحكيم , الذي يحسن اختيار بطانته فهو ينصح من يتولى أمور عباد الله بأن يحسن اختيار البطانة , ووضع شروطاً لمقياس هذا الاختيار , وهي الثقة والأمانة , والرأي السديد , والبعد عن الوشاية وذوي القيل والقال , لأنهم مفسدة للدولة , وليس لديهم فهم للأمور , فيجب على كل من يتولى أمر المسلمين أن يحسن الاختيار .
المصادر والمراجع :
الطبري : تاريخ الأمم والملوك
ابن كثير : البداية والنهاية
السيوطي : تاريخ الخلفاء
ابن خلكان : وفيات الأعيان
الذهبي : سير أعلام النبلاء
الصفدي : الوافي بالوفيات
هارون الرشيد : ديوانه
aowdm hgvad] hgH]fdm